فخر الدين الرازي
48
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وأجاب عن حجتهم الثانية وهي : أنهم خوفوه بالأصنام بقوله : وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ، والأصنام جمادات لا تقدر ولا قدرة لها على النفع والضر ، فكيف يحصل الخوف منها ؟ فإن قيل : لا شك أن للطلسمات آثارا مخصوصة ، فلم لا يجوز أن يحصل الخوف منها من هذه الجهة ؟ قلنا : الطلسم يرجع حاصله إلى تأثيرات الكواكب ، وقد دللنا على أن قوى الكواكب على التأثيرات إنما يحصل من خلق اللَّه تعالى فيكون الرجاء والخوف في الحقيقة ليس إلا من اللَّه تعالى . وأما قوله : إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي ففيه وجوه : أحدها : إلا أن أذنب فيشاء إنزال العقوبة بي . / وثانيها : إلا أن يشاء أن يبتليني بمحن الدنيا فيقطع عني بعض عادات نعمه . وثالثها : إلا أن يشاء ربي فأخاف ما تشركون به بأن يحييها ويمكنها من ضري ونفعي ويقدرها على إيصال الخير والشر إلي ، واللفظ يحتمل كل هذه الوجوه ، وحاصل الأمر أنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل عمره شيء من المكاره ، والحمقى من الناس يحملون ذلك على أنه إنما حدث ذلك المكروه بسبب أنه طعن في إلهية الأصنام ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك حتى لو أنه حدث به شيء من المكاره لم يحمل على هذا السبب . ثم قال عليه السلام : وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً يعني أنه علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة ، فبتقدير : أن يحدث من مكاره الدنيا فذاك ، لأنه تعالى عرف وجه الصلاح والخير فيه لا لأجل أنه عقوبة على الطعن في إلهية الأصنام . ثم قال : أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ والمعنى : أفلا تتذكرون أن نفي الشركاء والأضداد والأنداد عن اللَّه تعالى لا يوجب حلول العقاب ونزول العذاب ، والسعي في إثبات التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العقاب . واللَّه أعلم . المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر أَ تُحاجُّونِّي خفيفة النون على حذف أحد النونين والباقون على التشديد على الإدغام . وأما قوله : وَقَدْ هَدانِ قرأ نافع وابن عامر هداني بإثبات الياء على الأصل والباقون بحذفها للتخفيف . المسألة الثالثة : أن إبراهيم عليه السلام حاجهم في اللَّه وهو قوله : لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ والقوم أيضا حاجوه في اللَّه ، وهو قوله تعالى خبرا عنهم : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ فحصل لنا من هذه الآية أن المحاجة في اللَّه تارة تكون موجبة للمدح العظيم والثناء البالغ ، وهي المحاجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام ، وذلك المدح والثناء هو قوله تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ وتارة تكون موجبة للذم وهو قوله : قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ ولا فرق بين هذين البابين لا أن المحاجة في تقرير الدين الحق توجب أعظم أنواع المدح والثناء ، والمحاجة في تقرير الدين الباطل توجب أعظم أنواع الذم والزجر . وإذا ثبت هذا الأصل صار هذا قانونا معتبرا ، فكل موضع جاء في القرآن والأخبار يدل على تهجين أمر المحاجة والمناظرة فهو محمول على تقرير الدين الباطل ، وكل موضع جاء يدل على مدحه فهو محمول على تقرير الدين الحق والمذهب الصدق . واللَّه أعلم .